محمد بن عبد الله الخطيب الإسكافي

6

درة التنزيل و غرة التأويل في بيان الآيات المتشابهات في كتاب الله العزيز

وهو الغنم الذي من حازه ظفرت يداه ، ولم يجزع لفوت ما عداه ، فالدنيا قد تبرج بزخارفها ، وتخدع نفس عارفها ، إلا نفسا غلب نور قلبها ضياء بصرها وتصور العواقب من ثمرها ، لا البوادي من زهرها ، وساءه ما تناضر منها بالفكر في قوله تعالى : قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ « 1 » فلا تحزن إن أجدبت مراعيها المنجعة ، ولا إن زويت عنه عواريها المرتجعة ، فحق من دلكم عليه أن تدعوا له بالمغفرة والرحمة ، والمعونة على شكر ما أولى من النعمة ، وتبلغه من حسن الجزاء غاية ، بأن يقرأ له في كل يوم آية يفيء أجرها ولا يبخسك ، ويزيده ثوابها فلا ينقصك . شغلنا اللّه بالحق عما يلهى من أحوال العاجلة ، وبالعمل على ما يهون أهوال الآجلة إنه لطيف قريب سميع مجيب . ومن الآن أبين الطريق الذي سلكته ، وأفضى به إلى علم ما عرفته ، وأذكر ما نبهني على ما ادعيته لأريكم مثل ما رأيته ، وباللّه أستعين وهو حسبي ونعم المعين . ثم اعلموا أن الأحسن والأولى أن تكون المسألة الأولى من هذا الكتاب مسألة من الحروف المقطعة ؛ لأن الأسئلة عليها متفرعة مفرعة ، لكني قد أفردت لها كتابا مفردا ، جردت لحرف إشكالها مبردا ، والأسئلة عليها تربو على مائة ، والأجوبة عنها تغني عن فئة ، فأردت أن تكون مميزة عن أخواتها ، مخلصة من الآفة تخليص التمرة عن نواتها ، وسترونها بعد إن شاء اللّه ولا قوة إلا باللّه .

--> ( 1 ) سورة : يونس ، الآية : 58 .